الشوكاني

216

فتح القدير

ما أنفقتم ) أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار ( وليسألوا ما أنفقوا ) قال المفسرون : كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار هاتوا مهرها ، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت ردوا مهرها على زوجها الكافر ( ذلكم حكم الله ) أي ذلكم المذكور من إرجاع المهور من الجهتين حكم الله ، وقوله ( يحكم بينكم ) في محل نصب على الحال . أو مستأنفة ( والله عليم حكيم ) أي بليغ العلم لا تخفى عليه خافية بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله . قال القرطبي : وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار ) لما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون : رضينا بحكم الله وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا ، فنزل قوله ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار ) مما دفعتم إليهم من مهور النساء المسلمات ، وقيل المعنى : وإن انفلت منكم أحد من نسائكم إلى الكفار بأن ارتدت المسلمة ( فعاقبتم ) قال الواحدي : قال المفسرون : فعاقبتم فغنمتم . قال الزجاج : تأويله وكانت العقبى لكم : أي كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) من مهر المهاجرة التي تزوجوها ودفعوه إلى الكفار ولا تؤتوه زوجها الكافر . قال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطرا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفئ والغنيمة ، وهذه الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح . وحاصل معناها أن " من أزواجكم " يجوز أن يتعلق بفاتكم أي من جهة أزواجكم ، ويراد بالشئ المهر الذي غرمه الزوج ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشئ . ثم يجوز في شئ أن يراد به المهر ، ولكن لا بد على هذا من مضاف محذوف : أي من مهر أزواجكم ليتطابق الموصوف ، وصفته ، ويجوز أن يراد بشئ النساء : أي نوع وصنف منهن ، وهو ظاهر قوله ( من أزواجكم ) وقوله ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ) والمعنى : أنهم يعطون من ذهبت زوجته إلى المشركين فكفرت ولم يرد عليه المشركون مهرها كما حكم الله مثل ذلك المهر الذي أنفقه عليها من الغنيمة ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) أي احذروا أن تتعرضوا لشئ مما يوجب العقوبة عليكم ، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) أي قاصدات لمبايعتك على الإسلام ، و ( على أن لا يشركن بالله شيئا ) من الأشياء كائنا ما كان ، هذا كان يوم فتح مكة ، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبايعنه ، فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن ( ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ) وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم . قال الفراء : كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها : هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن ، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها ، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا ( ولا يعصينك في معروف ) أي في كل أمر هو طاعة لله . قال عطاء : في كل بر وتقوى ، وقال المقاتلان : عنى بالمعروف النهي عن النوح ، وتمزيق الثياب ، وجز الشعر ، وشق الجيب ، وخمش الوجوه ، والدعاء بالويل ، وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد ابن أسلم ، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه . قيل ووجه التقييد بالمعروف ، مع كونه صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق ( فبايعهن ) هذا جواب إذا ، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن ، ولم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام ، وإنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء ( واستغفر لهن الله أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة لهن منك ( إن الله غفور رحيم ) أي بليغ المغفرة والرحمة لعباده